الاثنين، 26 يوليو 2010

بقيت حاوي :: مسار إجباري

الجمعة، 23 أبريل 2010

الغُربال والعميانْ



لا أحد يختار مصيره، والذين يتفلسفون عن الإرادة وخيارات الإنسان، لم يجربوا كيف تنخسهم الحياة في ظهورهم وتدفعهم دفعا، والشاطر من ينجو من العثرات دون أن ينبطح على بطنه وظهره على حد سواء، لقد حفظت القرآن تحت لسوعة العصا، وكربجة الفلكة، ودخلت الأزهر لأن أبي أراد أن أصبح شيخا، والآن انظر ماذا ترى يا صاحبي..لن ترى سوى رجل تجاوز الثلاثين، فقد كم لا بأس به من الشعر الذي كان يغطي جبهته، ونحتت الأيام وجهه وخرطته بمخرطة الهم والفقر، نعم تزوجت وأنجبت ابني عابد الذي تعرفه، نسخة مني، ضحكتي، طريقة مشيتي، جلستي..لكن الذي يحز في نفسي يا صاحبي ويشق قلبي بسكين ثلم عندما يقلدني وأنا على المسرح..الولد المفعوص يعرف كيف امسك بالميكروفون بحرفية، رافعا نهايته كأنني أشرب منه..يقولون له قلد والدك: فيرقص مثل اللدعة، ويغني أغانيَّ التي أتفنن بها إخراج النقوط من جيوب المعازيم الكسالى:
(بلغ بيجن احتجاجي الرسمي...شعبي يقول عليا إيييييييييييييييييييييه)
 عارفين العريس يوم الدخلة بيقول لعروسته إييييييييه: عسليييه..ميه ميه. ميه. ميه..عسلييييه
عارفين أصحاب العريس بعد الزواج يقولوا له إيييييه: اتبحبح روح سينماااا..العب لك دور دوميناااا
تعرفوا العروسة بعد سنة تقوله إيه؟؟؟ فيضع يده خلف ظهره، ويتمشى وهو يقول: آه يانااااا...تعباااااانه
صدقني كنت أضحك معهم يا صاحبي، حتى تغرورق عيني بالدموع، ولا أعرف هل أنا فرحان أم حزين..أكثر ما أخشاه أن يتحول عابد إلى قرد شمبانزي يتشقلب في الأفراح ويشقى مثلي، ويذوق المُر الذي جرعته جرعا..

***

(بسم الآب والإبن والروح القدس..إله واحد..آمين
أنتم الذين باليسوع اعتمدتم، اليسوع قد لبستم ، هللويا)
كان يأتيني صوت الراهب متقطعا، مابين كل جملة وأختها يغمر رأسي في الماء، ممسكا برقبتي وكأنه يعرف أنني وددت الهرب من هذا المكان، وكأنه يعرف أن رائحة البخور تخنقني، وألوان الكنيسة الغريبة تزيد نفوري..لم ينقذني من شرودي وخوفي سوى الأب بيشوي الذي احتضنني ، ومد لي يده كي أقبلها !
"لا تقولوا لأحد يا أبي، فإن أباكم الذي في السماء"
تجاهلت ما دار في ذهني، عندما بادر بالقول: أبو عابد..اسم ظريف، سوف تحتفظ به حاليا إلى أن ندبر لك بطاقة تحقيق شخصية جديدة..
قلت لي إنت من وين يا ولدي؟
أأ..أنا من فرشوط يا ابونا !
***

ها أنا ذا أحمل صليبا على معصمي، وقلبا ميتا ورصيدا في البنك يكفي لسنوات قادمة
لكني مازلت في الدير. الرهبان هنا طيبون، يزرعون، ويحصدون، يصنعون الجبن، ويقطفون العسل..
يا كرولوس..كرولوس يا ولدي..كرولووووسسس !
مثل صينية البطاطس المحشوة بالجوافة..انتبهت لنفسي وأطفأت السيجارة في حائط الغرفة قبل أن ألقي بها من الشباك، وحينما قفزت..كنت الأسرع وصولا إلى الأرض
: يلعن تيييت ابو كرولوسس !

***
القاهرة- خريف 2009

جريدة الأهرام، خبر صغير منزوي في صفحة غير هامة:
أهالي بولاق ابو العلا يتسائلون عن مصير المواطن: همام سيد أحمد، الشهير بأبي عابد..متغيب عن أسرته منذ عام، على من يتعرف عليه الإتصال برقم........

اليوم السابع:
انتحار الممواطن همام، بعد عجزه عن سداد أقساط عش الزوجية، الشرطة لم تعثر على جثته إلى الآن، ومن المتوقع......

المصري اليوم:
مطالب شعبية بالإفراج عن المواطن.....، المحتجز في السجون الليبية، أثناء محاولته العبور إلى إيطاليا...

الشروق:
ثمة تكهنات تدور حول تحول المطرب والمهرج الشعبي......، إلى المسيحية
واشتباكات بين مواطنين مسلمين ومسيحين، بمنطقة......

جريدة القدس العربي:
في تصريح للبابا شنودة: من قال أن الكنيسة تمتلك هذه الأموال التي يتحدثون عنها، أقباط مصر مفيش أغلب منهم...!

قناة الجزيرة:
تقرير مصور، عن مستشفى قبطي، يقوم بعمليات زرع صليب، وعمليات تجميل لإخفاء ملامح المواطنين، مع تأكيد حسين عبد الغني أن الأمر قد تحول إلى ظاهرة تحت وطأة الفقر الذي يعاني منه المصريون..
***

المنصورة- ربيع عام 2015

قبل يومين وبعد صلاة الفجر، خرج منيب من المسجد، تداعب نسمات الصباح لحيته، تحفه السكينة ودعوات شيخه ، كان يشعر أنه مغيب تماما، وما هي إلا لحظات قليلة كان قد ولج إلى غرفته، و مر صوت دخول الويندوز الشهير عبر أذنيه، ليجد نفسه أمام أحد المواقع التي تتحدث عن النشاط التبشيري في مصر وكيفية مواجهته.شرع في تسجيل بعض النقاط الهامة، قبل أن يصدح مشغل الصوتيات بسورة الأنفال بصوت الشيخ ناصر القطامي، تلتها سورة مريم بصوت العجمي...حينها سرى الدفء في عظامه، واستسلم لسيد السلاطين: نوم عميق.

***

ليلة العملية

عندما تسير في شارع جيهان، عليك أولا أن تنتبه لنفسك وتضع عينك وسط رأسك، فسيارات الإسعاف والأجرة والتاكسي لن يرحموا القليل من غفلتك. لحظة واحدة قد تجد بوز إحدى السيارات يلامس نصفك الأسفل، يدفعك للأمام لو كان سائقها صبورا..وإن لم يكن..أنت تعلم !
 عليك أن تسير على الرصيف المجاور لصيدلية الطرشوبي، أو رصيف كشك الصحافة، ويجب أن تتجاهل وتنتبه لكافة محاولات الوصول إلى جيبك، سواء من اللصوص..أو الشحاذين الذين يتوسدون جانبي الرصيف، عليك أيضا ألا تلتفت لسيدة تحمل طفلا صغيرا وتدعي أن زوجها بمستشفى الطواريء، وحينما تخبرك والأسى يملىء قسمات وجهها الفلاحي أنها لا تجد المال كي تعود لقريتها لتخبر أهله، عليك أن تتجاهلها و تهرول بكل ما أوتيت من قوة من أمامها، لأنها قد تطلب منك مالا-سوف يبصق عليك الطفل الصغير إن لم تدفع- أو تقترض منك هاتفك لتجري مكالمة، حينها ستغوص في الزحام ولن تعثر لها على أثر، وعندما تتصل برقمك سوف تجد الهاتف مغلقا أو مشغولا بالفعل، وربما يرد عليك رجل أجش الصوت ويخبرك ألا تتصل على هذا الرقم ثانيا يا ابن تيييت !
 وإن كنت تحب النساء ولعب الشيطان برأسك، اعلم أنك قد تصبح من سكان المشرحة إذا أخذتها في سيارتك، فزوجها يتابع الموقف من بعيد..امض للأمام قليلا ستجد بعض الفتيات متفرقات تحت أعمدة الإنارة..التقط لك واحدة بسرعة قبل أن يلمحك ضابط مرور فيأخذ منك رسوما جبرية، اذهب إلى شقتك..واطمئن أنها لا تحمل مطواة قرن غزال قد تهددك بها في أي لحظة، سوف تحكي لك أنها بنت ناس ولو كنت شهما دعها تذهب دون أن تفعل معها شيئا، حينها ستحبك وتأتي لك بعد ذلك، دون أن تكون مضطرا للدفع. وإن كنت مثقفا مثلي عليك أن تنتظر أمام كشك الصحافة تتصفح بعض الكتب حتى ينتهي الزحام، وإن طال انتظارك ومل منك البائع اشتر أي صحيفة حكومية لو كنت متزوجا كي تستفيد من عدد صفحاتها في تلميع الزجاج، وإن لم تكن متزوجا اشتر مجلة العربي أو الدوحة أو كتابا رخيصا من توالف دار الهلال.. في هذه الليلة بالذات سوف تمرق سيارة فيات 128، صانعة الكثير من "الغرز" وسط السيارات الأخرى، هذه السيارة سيكون بداخلها بالطبع، شاب كان ملتحيا منذ ساعة فقط يدعى منيب، قد أطلق لحيته منذ عام وربما أكثر وواظب على حضور دروس العلم، وهجر أهله الأثرياء للغاية، وغير مهنته لأنها حرام..ثم عمل في أي مهنة تافهة أخرى..كأن يتاجر في عصافير الزينة أو بعض العطور المغشوشة للأسف، لكنه لا يدري..
لو كنت تحب التسكع. تتبع سيارته ربما تعرف بعد قليل ماذا سيحدث:
سوف يركن السيارة في مكان بعيد، ويتمشى قليلا حتى يصل إلى بوابة إحدى العمارات، سيتنحنح البواب، فيتسلل منيب بذعر إلى أن يصل إلى المصعد، ويضغط زر الدور العاشر، حينما يهم المصعد بإصدار صوت الموسيقى سوف يضع أصابعه في أذنيه، سينفتح الباب، فتواجهه لافتة نحاسية صغيرة مكتوب عليها بخط فارسي(الأنبا بيشوي سوريال)..يضغط منيب على الجرس ثلاث ضغطات رتيبة، فيطل من خلفه رجل دين مسيحي يرتدي زي المنزل..يبادره منيب بلكمة قوية تسيل بعض الدماء من أنفه وتجعله يتهاوى للوراء مسافة ليست بالقليلة، حينها سيجهز عليه، و يكتم أنفاسه بيد من حديد، وقبل أن يلفظ روحه، سيكمل مهمة إخراسه شريط لاصق على الفم،
بعد ذلك يأتي الحل النهائي الفريد: حقنة كالسيوم يزرعها في وريده، وينزع الشريط اللاصق من على فمه بقسوة مبالغ فيها، تخرج معها بعض شعيرات شاربه ولحيته، في ذلك الوقت سوف ينظر منيب في عيني ضحيته، وتزعجه لحية القس المهيبة التي تشبه في قسماتها وشكلها لحية شيخه، ثم ينصرف مسرعا بعد أن يأخذ بعض الأغراض والوثائق من الشقة، ويتخلص من بصماته على الخزينة والجرس وزر الدور العاشر...

أنت بالطبع لن تكون هنا في الصباح، عندما ينقل الجثمان إلى مستشفى الطواريء، ولن تشهد التواجد المسيحي المكثف في الشارع وأمام المستشفى لرجال ونساء متفحمات الشعر، كأنه شعر مستعار مصنوع من البلاستيك، ولن تشاهد تقرير الطب الشرعي الذي يقول أن الوفاة طبيعية، لأنه لن يلاحظ نسبة الكالسيوم التي تزيد في الجسد بصورة طبيعية بعد الموت، سوف يقفل المحضر في ساعته وتاريخه، وفي صدر الصفحة: وجد الأنبا بيشوي سوريال ملقى على وجهه في شقته بعد أن تعثر، والكثير من الاشياء التي لن يصدقها مسيحي واحد..حتى ولو حدثت بالفعل !

***

بعد شهرين من العملية

إذا تأخرت عن موعد الصلاة، أمامك خياران لا ثالث لهما، إما أن تذهب إلى مسجد الرحمة فستجد أنهم لم يقيموا الصلاة بعد، توضأ على مهل، وصل السنة، وانعم برائحة البخور أو صلها"تيك أواي" في مسجد الجمّال، ستلحق الركعة الأخيرة أو التشهد أو أي جماعة تالية. في الصف الأول بمسجد الجمّال سوف تجد بعض العجزة مازال فيهم بقية من رمق، من بينهم رجل نصب علي في أجر عشرة أيام-تجبنه تماما-، بجانبه سوف تجد منيب الذي ترك الصلاة بمسجد الرحمة مؤقتا، وقد اخضرت لحيته وهاشت من جديد. بعد الصلاة سوف يقوم رجل يكاد الدمع يتقاطر من عينيه منهمرا، يقول بالنص الواحد:
أنا أخوكم عبد الرحمن، كنت نصراني، ومن الله عليّ بنعمة الإسلام، هذه بطاقتي القديمة إن كنتم لا تصدقوني.أنا يا إخوتي كلي خجل منكم.أصعب حاجه في الدنيا إنك تمد إيدك لحد.بس أنا قلت انتم اخواني في الإسلام، إنما المؤمنون اخوة..زوجتي عليها لعنة الله رمتني في الشارع، وأخذت شقتي، الديون تراكمت علي، أقرب الأصدقاء رفع علي قضية مطالبا بماله لأني اسلمت وجهي لله..قولوا لي ماذا أفعل، ثم يجهش ببكاء شديد ويرفع يده للسماء: ساعدوني حتى أتخلص من هذا،
فيبرز صليب كبير على معصمه يفجع الجميع منظره، ويموج المسجد كخلية النخل، وسط بكاءه وجملته التي يعيدها أكثر من مرّة: ساعدوني حتى أتخلص من هذا..ثم يجلس في المحراب
سوف يمتليء حجره بالجنيهات والعشرات والعشرينات الخضراء والخمسينات الحمراء، ويتبرع الرجل الذي نصب عليّ أيضا، و تجتمع لجنة الذكاة، وتقرر أن تصرف له مبلغا طائلا يكفي لسداد ديونه وشراء شقة جديدة خلال أيام قلائل، لن يخرج منيب من المسجد إلا وبصحبته الوافد الجديد تحت إبطه.
في المساء سوف يعرفه على شيخه الذي يرحب به أيما ترحاب، ثم ينطلق جمع غفير من الشباب البشوش إلى طبيب ملتحي في عيادة خاصة، يساعدهم في التخلص من الصليب "بمياه النار". يتألم عبد الرحمن بشدة ، يبكي الشباب، ويشد الشيخ على يده، مبشرا إياه بالحصول على بطاقة هوية تحمل اسمه الجديد: اجمد يا أخ عبد الرحمن، باقي شوية ويتمحي اسم كرولوس دا من الوجود.اصبر واحتسب.

خلال سنة بالتمام والكمال، من الترحاب والإطمئنان على يده، يكون قد تعلم الصلاة، والفاتحة، ويؤذن للصلاة بصوت شدي رخيم، يُبكي الجميع. يصبح منيب صديقه المقرب، يبيت معه في شقته بعد أن هجر أهله تماما، يعملان معا ويحضران دروس العلم بهمة ونشاط. يخبره عبد الرحمن كم أنه سعيد ويعرف لماذا يعيش ولماذا خلقه الله..يشرق وجه صاحبه بابتسامة، لا يعكرها سوى حزن يظهر على وجه عبد الرحمن، يقول له أنه اشتاق لأولاده، ويخبره منيب أنه اشتاق لأهله أيضا..يدفعه عبد الرحمن لزيارة أهله، ولكي يطمئن قلبه..يقترح عليه أن يجمع أغراضه و يذهب معه كي يتعرف عليهم..
في شقة يبدو على أصحابها الثراء. يدخلان..غريب وبصحبته غريب، تبكي أم منيب بكاء مريرا وتحتضنه.يتماسك ويقول لها: أخي عبد الرحمن، كان نصراني وأسلم.. يبدو على وجهها الفرح، وتقول لابنها وهي تتأمل عيناه الذاهلتان: ما بك يا ولدي نحفان..بطنك أصبحت في ظهرك..وتعد لهما غداء شهيا..يتناولونه بحضور والد منيب الذي يشيح بوجهه كلما وقعت عينه في عين ابنه..يبيتان معا في غرفة منيب القديمة، التي لم يدخلها أحد في غيابه سوى لتنظيفها..يقول له عبد الرحمن بلهجة غريبة بعض الشيء: أنت مؤمن حقيقي يا منيب..زهدت في كل هذا-مشيرا إلى اللاب توب وحوض السمك الكبير وأثاث الغرفة الثمين- وتفرغت للعلم..ثم يقترض منه هاتفه، يخبره أنه يريد أن يحدث ابنه الأكبر..

بعد الفجر بقليل يستيقظ منيب، يتعجب كيف فاتته الصلاة، التي تعود أن يوقظه لها هاتفه، يفتش عن عبد الرحمن فلا يجده، يفتح الباب بهدوء، يدلف إلى الصالة الكبيرة فيجدها خاوية من بعض الأشياء، وفي المسجد يقابل أحد إخوانه الذي يسأله عن صاحبه، الذي لا يدري أين اختفى..يبدأ الخوف يتملكه حينما يخبره أنه أخذ هاتفه كي يطمئن على أهله، ينضم إليهما ثالث يبحث عن هاتفه الذي أخذه عبد الرحمن أيضا..يهرول منيب إلى بيته، فيجد أهله مستيقظون..الأم تشتكي من فقدان مجوهراتها الثمينة، وبعض الأدوات التي تختفي فجأة من المنزل..يحاول الإتصال بصديقه وهو يفتش في أغراضه التي تركها..عندها سيجد ثلاث بطاقات هوية
تكون بياناتها كالتالي:
كورولوس مينا حنا
عبد الرحمن مينا حنا
وبطاقة أخيرة مختلفة تماما تحمل اسما يبدو مألوفا بالنسبة له: همام سيد أحمد !
يلتقط الهاتف، فيأتيه هذا الصوت الممل كأنه يسمعه لأول مرة:
إن الهاتف الذي تحاول الإتصال به ربما يكون مغلقا(تيت.تيت..تيت)


(انتهت)

م. العرفي




الاثنين، 5 أبريل 2010

الذي مرّ من هنا

اللحظات التي بدت قليلة للغاية بين مفارقة أقدامه للحافة وترنحه في الهواء، مرت عليه كأنها دهر؛ استرجع خلاله كل ذكرياته وأفراحه وأتراحه. سوف يبدو للمرأة التي لمحته وهي في حوض الإستحمام أثناء سقوطه كنورس مهيب، ولسوف تحكي لصديقها عن قسوة صائد الطيور الذي سلب هذا الوديع حقه في الحياة، سيبدو مهتما لما تقول بينما تعلو وجهه كآبة غامضة تخفي خططه لاستدراجها للفراش، إلى أن بهتته "سذاجتها"
أما الأستاذ محمد محمد محمد الذي يعمل لدى شركة التأمين القابعة في الدور الثالث عشر سوف تعاوده الهلاوس، ويؤنبه ضميره لأنه صرف أموال الشركة في طرق غير شرعية، عندما يرى الرجل ذو القميص الأبيض والبنطلون الأبيض والحذاء الأبيض وهو يتطوح في الهواء. بعد ساعة سوف يعود إلى منزله حائرا ، ويمسح بعض الدماء التي علقت بحذائه في الدواسة الكالحة الموجودة  أمام الباب، سيظل يحك الحذاء  ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ظنا منه أنه يتخلص من وساوسه.
سوف تتطاير بعض الدموع على واجهة المبنى الزجاجية، يمسحها عامل النظافة لاعنا" التكييف وما يحصل له من تحت راسه" ثم يخفض صوته كي لا يسمعه أحد فيبتر قوت يومه.

قبل الإرتطام بثوان معددوة سوف يتذكر- هذا الذي حسبوه نورسا-  طفلا يعتلي شجرة توت سامقة في ذمام قرية "بني عبيد-المنصورة- الدقهلية-جمهورية مصر العربية"..هكذا بالضبط كان يكتب على الغلاف الداخلي لكتبه المدرسية.
سيتذكر الأستاذ سلامة مدرس التاريخ الذي كان يدخل الفصل تاركا سحاب البنطلون مفتوحا، فيضحك زملائه، أما هو فكان يغار على داليا أول بنت قصت شريط قلبه وأقامت احتفالا مهيبا زلزل كيانه إلى أن فضحها بكتابة اسمها على كل النقود الورقية التي كانت تقع في يده.
 سوف يتذكر أيضا الأستاذة سوسن مدرسة الأحياء والدرس الذي يحتوي على الجهاز التناسلي للمرأة وكيف أنه لم يفهم منه شيئا،
الأستاذ مصطفى المستكاوي ناظر المدرسة الذي حلق له شعره من المنتصف لأنه طويل، وعيره بأنه ليس نظيفا، رغم أن" النورس" لا يرى تعارضا بين شعره والنظافة..
الأستاذ المستكاوي الذي أحيل للمعاش في نفس اليوم الذي تسلم فيه وظيفته بنفس المدرسة وكان خائفا من ملاقاته، ونفس الفصل الذي  قضى به أسوأ ما يمكن أن يحدث لطالب محلوق نصف شعره العلوي في مدرسة إعدادية، نفس الرائحة، الجدران، النافذة التي كان يتابع منها العصافير على الشجرة، فينشرح صدره، ويحب التاريخ الذي تخصص فيه، رغم الدماء التي سطرته، فالعصافير جد رقيقة، هذا ما سطره على السبورة وهو لا يدري، متجاهلا أحمس  وكليوباترا..
 سيتذكر عرس أخته الذي أراد أن يرقص فيه، لولا الحياء، واستغلاله لدولاب ملابسها الذي خوى..ووفاة جدته بنفس الأسبوع، وخالته التي قالت لأمه متحسرة: البيت تحسي انه قبر يا عديلة، لا شقاوة البنت ولا بركة الحاجة..
سوف تبرق سلمى أيضا في المشهد، وينجلي له يوم تخرجه وبكائها ثم اختفائها في ظروف غامضة، فك شفراتها فيما بعد حينما رأى امرأة تشبهها تجرجر أولادها ويجرجرها زوجها في محاولة منهم لعبور الطريق المكتظ بالسيارات والأضواء التي طمستها دموعه
سوف يتذكر الشوق الذي يموت ويصحو كل لحظة، النسيان الذي يطفو فوق السطح، ثم يجره الحنين من قدميه إلى القاع، حماقة ارتكاب الحب، وحماقات انتهائه
الكبرياء الذي يهدم كل شيء، ثم ينحني إلى أن يصل إلى البكاء، تلويحات الوداع التي لم تسنح له الظروف أن يمارسها ببيروقراطية، الألم الذي يشق الروح إلى نصفين، الإحتراق الذي يترك بقيتها هشيما، أخطائه التي لم يتعلم منها يوما، أحلامه البسيطة التي نسيها من فرط بساطتها، الحياة التي يؤديها ولا يعيشها، ممارسة التنفس والضحك والبكاء والنعاس، الأكل، العمل، التثاؤب، الإنصات، اللامبالاة..
**
قبل موته بقليل، كان وجهه هادئا، وقلبه يؤلمه بشدة، وعندما ارتطم جسده بالأرض، تكسرت العظام، وارتطم مخه في الجدار الداخلي لجمجمته، وانحدرت قطعة نقود معدنية من فئة الخمس وعشرين قرش المثقوبة من جيبه، واخذت تنحدر متبخترة على الأسفلت بمحاذاة دمائه رويدا رويدا


يا سيدتي أنا لم أقل لكِ...
كيف يزور الحب قريتنا ؟
لا يعرفونه غير مواسم القمح-والجوع اشتهاء البطون من ألف عام-
لا يعرفونه سوى الخميس، قد جئنا عجنا وتذرية !
-الحب- شيء يقال ولا يقال
تعرفه العيون، يدب في القلب
ويخفيه الحياء .

لا تحلمي بكاتبك الأنيق
معجون هو بالتراب وبالنخيل
إن قال حلو، قال تمر..
وإن قال فحشا، قال تعالي
إن قبل الخد البهي..
حمد الإله على الدراق !

معجون أنا بالنخيل وبالتراب، أقول
مثل ما قال جدي:
"عسل مصفى" أشتهي
-فهموا المراد-
وزوجوه
أتفهمين؟؟!!

أريدك سنابل قمح، رغيفا صابحا
 وردة ندية
لا تخفي طمي النيل خلف المساحيق
أريد امرأة تشبه أمي، وعماتي وأختي
تطل كالبدر خلف حجابها
لا سافرة كالأرض البور
نحن الرجال، نخشى المتبرجات !
ودعتك على باب المدينة
إن لم تفعلي
وأغلقت دونك باب القلب والدار !

الخميس، 4 مارس 2010

اقرا الخبر - مسار اجباري

للمداهنة ملة واحدة، وصنم واحد، وأتباع كثر..
يطوفون حوله ويدوخون ويقعون...ويدورون
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

فمن ذاق طعم البطيخ وأدمن حبه وقشره، لن يعرف للعنب سبيل في يوم من الأيام
وعندما تجتمع الصحف القومية على مهاجمة قامة كبيرة مثل الدكتور البرادعي-غاندي مصر-، ولا تجد ما يؤخذ عليه سوى اتباع مذهب "حامض عنه يقول"
أو طائفة"حجة البليد مسح السبورة" فليس بمستغرب أن يقولوا أنه كان راسبا في دراسته، أو "بيتهته" أو حتى "دمه مش خفيف" !
أن يهاجم رجل بهذا الشكل، فهي رسالة غبية ومبطنة لنا كشعب أن هذا الرجل على حق، أو يحبس أيمن نور مثلا بعد اكتساحه للإنتخابات، ويقال عنه مزور، مجنون، يهذي فقد سبقهم بها الريس ابو جهل، وكما رمي سلى الجزور سابقا، ترمى "مية النار حاليا" بعدما اختلفت أدوات البلطجة من عصر إلى عصر .
كل هذا ليس بمستغرب على الإطلاق، فللإعلام والصحف توجهاتها وأخطائها ومذاهبها، واهو كله أكل عيش، لكن أن تنتاب حمى المداهنة وتفوح رائحتها من شيوخ وأئمة المساجد، فيصعد إمام وخطيب وشيخ أزهري فاضل/فاضح المنبر ويخطب في الناس وتذاع مداهنته في إذاعة تدخل كل بيت مصري كإذاعة القرآن الكريم، وفي خطبة جمعة ويقال: أن هذا الرجل دكتور في الذرة ! للسياسة أهلها، وليس له خبرة، فهذا استعباط أصلع له حواجب كثيفة، هل الشعب مغفل لهذا الحد بحيث تتصورون أنهم عامة، فتختلط عليهم الأمور ويصبح رجل القانون رجل ذرة لمجرد أنه كان يتصدر وكالة تحمل بين طياتها هذا المسمى؟ !
لعبد الرحمن الكواكبي كتاب رائع عن" طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد" وفيه باب كامل عن استخدام الدين كوسيلة من وسائل الإستبداد والتنويم والطمس، وشغل الناس بأنفسهم وذنوبهم عما يجري في حياتهم اليومية ومستقبلهم، لذا فهذا ليس بالشيء العجاب يا أزهرنا يا كريم يا وسطي يا معتدل !




الثلاثاء، 2 مارس 2010

لميس التي..

لميس التي حمدت الله أن جاء اسم حبيبها موافقا لاسم والدها
لميس التي تحنن عليها القدر لتكتب اسميهما على دفاترها آمنة مطمئنة حالمة
لميس التي لا تعرف متى بدأت تحبه، بل متى عرفته؟
لميس التي شغفها حبا
لميس التي خانها مع كل النساء، حتى ذابت ملامحها في ملامحهم
لميس التي بصق في وجهها، فأكرمته
لميس التي طعنها فرحمته
تشعل شمعة الآن، وتمسك بكتابه، تضمه إلى صدرها .

لميس التي كانت تتركه غاضبة، فتستدير بعد خطوات آيبة إليه
لميس التي صففت شعره باهتمام، وكان يتركها عجولا
لميس التي قبلت قدمه، وأصابعه ووجنته وذقنه
لميس التي تزوجت غيره
تبكي الآن بحرقة، ويبلل كتابه دموعها-الغالية-





الخميس، 26 نوفمبر 2009

مدري !

حقيقة..حلوة حقيقة دي؟
لم أتصور ولو فمتو سكند..أن تصبح المسافة بين العيدين مثل الشهيق والزفير..يبدو أنني لو تنفست بانتظام سيضيع نصف القرن القادم هباء،
ولم أتصور أيضا أن يأتي "البوست" التالي في عيد الأضحى، ولكنها الأيام بنت اللذين تفعل بالناس الأفاعيل، واالحقيقة أنني كنت مشغولا لدرجة لا تطاق ..ولكي لا يفهم أحد أنني رجل مهم- كلا وحاشا- فقد استثمرت الفترة الماضية في مفيش، وعملت ولا حاجه، لكني كنت مشغولا. في ايه؟ معرفش

النهارده يوم عرفه، بس ياريت لو كان في الصيف لي ذكريات كتير حلوة معاه، ذكريات تشبه التكبيرات والتلبية التي تهز القلب ، تشبه ظهيرة عودتي من المدرسة، وإلقاء الحقيبة في فناء المنزل، ذكريات تشبه ريحة اللحمة المنبعثة من البيوت، بس مش عارف هي بطلت يبقى لها ريحه ليه؟
كنت صغيرا حينها، ومش عارف الواحد عمال يكبر ويبقى بايخ ليه، الله يخرب بيت تفاحة آدم والدقن والشنب اللي بيعملوا في البني آدم كدا !
لكن في القلب بقية من نبض وفي الروح ثمالة من براءة، منظر الحجيج النهارده خلى الواحد بجد يتجنن، ويعيط ويبقى حالته حاله..لدرجة اني بفكر -لضيق ذات اليد- أن أتسول العام القادم حتى أتمكن من الحج
هنيئا لحجاج هذا العام وهنيئا لمن تمنى من قلبه أن يكون معهم

المهم.. شكرا لمن تذكرني هذا اليوم وسط الزحام
تكون محظوظا عندما يتذكرك أحدهم برسالة أو كلمة طيبة وسط مليارات البشر
والشكر موصول لأختي التي لم تلدها أمي، التي أنشأت لي هذه المدونة، ربما لخوفها أن أنقطع عن الكتابة..
كل سنة وانتم طيبين وعيد مبارك وبوتفليقه !

الأحد، 20 سبتمبر 2009

! كل عام، وأنتم

لمن قطف لي من عمره زهرة،
أو بستان
ولمن زرع في خصري مدية،
أو طعن بسكين نافذ،
ولمن طعن وأدار سكينه نصف دائرة،
ولمن تمتع بسادية وجعلها دورة كاملة
للأحبة،
لمن عملقوا هفواتي،
ولمن غفروا ذنوبي
للجميع
تحية طيبة وسلام
عيد فطر مبارك
وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال !

الاثنين، 31 أغسطس 2009

(الساحر)


(الساحر)

في أحد الصباحات الصيفية وجدت الرجال والنساء والأطفال في حارتنا يهرولون إلى ساحة كبيرة، هي تقاطع عدة شوارع وهم يهمسون في فرح طفولي ويتحدثون عن الساحر الذي يزور قريتنا مرة كل عام، أو ينقطع عدة أعوام ثم يعود مؤديا عروضه وحركاته التي تبهر الفلاحين السذج والموظفين الذين لا يصدقون ما يروه. وجدت نفسي أهرول مشدودا بخيط من التشويق إلى الساحة التي تحلق الناس بها. حلقة كبيرة متماسكة، أخترقتها بصعوبة ودسست رأسي بين الأرجل والأفخاذ والرؤوس الصغيرة التي أشم فيها رائحة العرق والذهول، كان رجلا طويل القامة يرتدي قميصا طويلا مشجرا مرخيا أكمامه حتى منتصف أصابعه، وفي يديه حلقات معدنية يضربها فتتشابك ويشدها أمام الناس ويعرضها لهم، ثم يضمها ويخرجها من بعضها. حلقة...اثنان... ثالثة..ورابعة، يتشابكون في لمح البصر ثم يفكهم بنفس المهارة، والناس يصفقون بشدة ويصفرون، ثم تمر ابنته الصغيرة وفي يدها طبلة مكسورة وعليها خيوط من الدوبارة، تستجدي الناس أن يدفعوا مقابل هذا الفن المتقن والسحر العظيم. لم تفلح في جمع شيء. الفلاحون بخلاء حذرون والموظفون حرصاء متوجسون، فتعود وتتكوم في جانب الحلقة. يؤدي "نمرة" أخرى يأمل من خلالها أن يهزوا جيوبهم، يرفع يده كمن ينوي الصلاة ويتكلم بصوت جهوري حاد ومكتوم ( جلا..جلا..إيدي فاضية) ثم يخرج قطعة نقود معدنية من بين أصابعه، يصفق الناس بشدة، فيخرج الثانية والثالثة والرابعة ، ثم يفرك أصابعه برشاقة وتتابع فتختفي القطع المعدنية، يدور على الناس مثل الملدوغ، يتخير من بين الوجوه وجها يعلوه شارب كثيف، يلتقط منه قطعة نقود معدنية، فيضحك الناس بشدة، وصوت قهقهاتهم يرعبني ويضيف إلى المشهد مزيداً من الخوف الذي تملكني والدهشة التي اقشعر لها بدني. تعود البنت الصغيرة مرة أخرى، تدور على نقاط الدائرة المتحلقة نقطة نقطة، عيونها كلها رجاء..ولا يدفع أحد، تقف أمامي طويلا، جميلة لكن وجهها يبدو مثل جدار متآكل و شعرها الأشقر الذي حرقته الشمس يجعلها مثل الجنية، أختبيء خلف أحد الأفخاذ المنتصبة أمامي، وأعاود النظر لأجد الساحر يجرها من شعرها وهو يقول بضيق(آخر ما عندي..هدوس على البنت دي، أقف على بطنها، مصارينها تطلع وتموت..أصحيها تاني!)

بدأ الناس يتذمرون وهو يخلع ملابس ابنته العلوية ويعريها تماما، رفعها لأعلى وهي ممدة على راحتيه ، دار بها على الجميع، ثم نامت على ظهرها مكشوف نصفها العلوي، بطنها تبدو خاوية، هابطة مثل حفرة صغيرة وعظام صدرها بارزة تنخس الضمائر.
(إيه رأيكم؟) يصفعهم بالسؤال، ويرعبني..
انصرف بعض الحضور، تقريبا معظم الرجال، وبقي الأطفال والنساء. داس بقدمه الغليظة على بطنها، تحسسها ببوز حذائه في البداية وهي لا تنطق ولا تلوي على شيء، ثم صعد فوق بطنها بكل وزنه، فبدت مثل قطعة الكاوتش المرنة ممطوطة تحت قدميه. صرخت النساء وبكى بعض الأطفال، وبقيت متسمرا في مكاني حتى بلت على نفسي وانسال خيط الماء إلى حذائي البلاستيك.
في لمح البصر ومثل الصاعقة هجمت عليه امرأة عجوز ونطحته في بطنه بقوة مثل ثور محترف، فوقع على مؤخرته وظهره، وتطايرت بعض النقود المعدنية من جيبه وكمه. نهرته بشدة واحتضنت البنت التي بدت مثل خرقة بالية. شرع في بكاء شديد وأخذ يغمغم بكلمات لم أفهم منها سوى:
يا ولاد الكلب !

______________


نشرت في مجلة العربي العدد 610 سبتمبر 2009
ضمن مشروع التعاون بين إذاعة الـ
BBC
ومجلة العربي

كتب عنها الأستاذ علي المقري- كاتب وناقد من اليمن-الساحرلـمحمد العرفي(مصر)
قصّة تستفيد من مشهدية الفلكلور الشعبي في تقديم الإدهاش عبر الفنون الآدائية الموصوفة بالسحر، فتظهرها كخلفية أو ديكور لرسم ملامح مجتمع يسعى إلى فرجة لم يعد بإمكانه دفع تكاليفها، وإن كانت ساحرة هذه الفرجة لا تثير ردود فعل المتفرجين إلا حين يشاء لها أن تفجر مكامن العنف في الأداء لعلها تتخذ شكلا مختلفا في العلاقة، يتم عبرها الأخذ والعطاء، مع أن ذلك لا ينجز، وهالة اللحظة هي التي تطغى مع صراخ لاعب السحر: يا أولاد الكلب
وهي عبارة شعبية تحيل كل ما هو مذموم للكلب

لمن يريد الإستماع إليها هنا، عبر إذاعة الـ
BBC


الخميس، 6 أغسطس 2009

ما تبقى من قلبي القديم..


وتقولُ: يا حبيبي
لا تنتظرني على الحافة
فإني أشتاقك !
-امرأة تتعلق برقبة رجل
ورجل يحتضن العالم بين يديه-

يحمر الجسر خجلا
تتدلى أعين الغرباء،
والدهشة المبتورة
تسحقها القبل .

( يصيح المنادي
الملك، ملكك يا فتى
والتاج، تاجك )

وتقول: يا حبيبي
تفضحني عيناي
يكبر الشوق فيهما، يوما بعد يوم .

ويمرقان من ثقب إبرة
يحيكان صوفا للشتاء، يبلى في الصيف
ويعود الثقب مرة أخرى
فيمرقان، والأمل ثالثهما..



( ويصيح المنادي
هجمت جحافل الفراق
توضئوا بدمي
تطهروا..تطهروا )

ويقول: يا حبيبتي
سيعود الثقب مرة أخرى
احذري الحفر، فوهات العدم .

وتقول: يا حبيبي
-ساعدي نحيل
قدمي ضعيفة-
لا تنتظرني بعد اليوم
فأنا، لست لك !

___








الأحد، 2 أغسطس 2009

...

إنك لا تعرف قيمة "الشيء"، حتى تفقده، لابد من غيمة تحجب صفحة القمر الناصعة لتغرق في بحر من الظلمات
حينها فقط، ستدرك أن للقمر وجها جميلا، يطالع الدنيا من الأعالي، ستعرف أنه بعيد، وقد كان ضوءه قريب منك، يغمرك قبل قليل.. إن هذه الغمية رسول، لا هم له سوى رسالة واحدة: أن تذكر يا هذا فضلا كنت تنكره ولا تشعر به


وأنا !
تضيق الأرض بما رحبت ومن رحبت، وهم هناك-تبا لكل إشارات البعيد-
تفصلنا المسافات، نعم
لكن تلتصق أرواحنا بهم، نكاد أن نقبل ظهر غيابهم، أو ننحني لنلتقط ذكرى خلفوها ورائهم

إن السهام البعيدة تصيب وتؤلم، لكن السهام القريبة من القلب. تقتل،
وتصيب هدفها مباشرة، حتى لو كانت سهاما عشوائية، ألقيت بلا احتراف أو تدقيق.

و من أقسى الأشياء، هو الشعور بالعجز، عجز أن تدرك غاية، أو تحقق هدفا،
لو كان الأمر يعنيك أنت وحدك، لهان كل شيء، فأنت أقدر على حمل مسؤلية نفسك، وإدراك أبعادها، وجَلدها
ولكن أن تعجز أن تمد يد العون لهم، أن تراهم من بعيد وهم يغرقون، هم يلوحون لك لا إراديا، لأنهم يحبونك
وأنت منتهى أملك، أن تموت، أن تتقطع إربا ولا تصيبهم شوكة واحدة،
ومع كل هذا..أنت غير قادر على فعل أي شيء..أي شيء
غير قادر على المواساة ، أو إخبارهم كم تحبهم، كم تقدس لحظات سعادتهم
أنت غير قادر على أكثر الأشياء بساطة؛ ولو تحطيم العبارات التقليدية على أعتاب أرقك
(ليته في ولا فيك)
(ما تشوف شر)
(رب يسلمك من كل سوء)
أنت غير قادرعلى أن تجس نبضهم، حرارتهم، أن تقبل جبينهم، تضمهم إليك، وترخي لهم جناح الذل من الرحمة
إني لأقدس أحبابي، للحد الذي يجعلني أتمنى أن أقبل أقدامهم، تراب الأرض الذي يمشون عليه، ولن يكفي !
وقد أسررت لأحد أصدقائي، ووصيته أن يطبع قبلة على جبين الهواء في بلادهم، وكان طيبا جدا، فوعدني أن يفعل !

الأكثر صعوبة، عندما تمتلك قلبا، يألم لكل الناس، خيارهم وشرارهم، يحنو على البعيد والقريب
"كأنهم في كل القلوب، فمن بكى بكيت له، والحر بالناسِ يُخدع"*
فكيف يكون مع من يقطنون به؟؟



فيا أيها القريب البعيد، يا من تملك قلبا..نحن أكثر حرصا منك عليه
وجسدا، من فرط اقترابنا منه، تتداعى له أعضائنا بالسهر والحمّى
رفقا بقلب أسخنته الجراح
وعبثت به السهام والندوب فأضحى كالغربال
رفقا، فما بقي شيء لم يكسر
رفقا بقلب، تهشم، فأصبح شظايا
رفقا بنفسك، نفسي، فأنا أنت لوتدرى !

لو كنتِ بعيدة، فأنت كالسماء
تلامس أرضي، عند الأفق
فكوني ابتداء الجمال، بلا نهاية..
كوني شمسا، وقمرا
كوني بحرا، وسماء، ونجوما، وسفنا
كوني مطرا، ورعدا، وغيوما
كوني حياة، ضحكة طفل، اشتباك أصابع
كوني صدقة سر، غوث ملهوف، طوق نجاة
كوني نيلا، وخيرا، فراتا، وعافية، جسراً، وأحبة
كوني بردا وسلاما
فإني أحترق، ولا عاصم لي اليوم سوى عافيتك
عودي "أيتها الشقية"، كي يخفق قلبي من جديد
تألقي، كي يعاود الدم مسيره في شراييني
ولو كنتُ جريحا !
سوف أمشي على أطراف ألمي، كي لا يزعجك الأنين . !


___

- حفظ الله لكم أحبتكم
* الرافعي: بتصرف




الأربعاء، 29 يوليو 2009

شر الإبل !

(لا يعيش على المداورِ، إلا شر الإبل)
هكذا قالت جدتي، وشاحت بدموعها عني، عندما خبرتْ ما بي، وهي التي لم تجس لي قلباً، ولم تقلب في جسدي كبضاعة مزجاةٍ
استشفت-هي- بنت الزمن: أن مثلي لا يعيش، فالأخيار-كما تظن- لا يعيشون، ولا يُعمرون في هذه الدنيا،
من يومها وأنا أحمل شهادةً موقعة بحُسن ظنها، أنني خير يموت، ولا يتذكره أحدا..

هل يموتُ الخير حقا، ولا يُذكر؟
كثيرون يملكون ذاكرة وفية مع الأشياء الشريرة، تضعف وتتلاشى قدرتهم على تذكر كل ما هو خير، عجيبٌ أمر من ينسون كل شيء، ولا يتذكرون سوى هفواتنا، لا يتذكرون سوى الأشياء التي مسّت أرواحَهُم، وكأنها صُبت فوقهم صباً

يقول صاحبي" الظالمون لا يشجبون سوى ظلمهم"
فلا يتحدث عن القسوةِ، إلا أكثرهم اقترافاً لها، ولا عن الشرِ سوى شرار الناس، ربّما لهذا قال نبينا
"من قال هلك الناس، فهو أهلكهم"
أه لو أن للخير مرآة يتبهرج أمامها
ينعكس على سطحِها
ولو كانت الصورة الناتجة، مختلفة الأبعاد عن الواقع، كل حسب ظنه
لكنه لا يملك مرآة، فهو مثل السراب عند البعض، كلما أدركه تلاشى، وكلما وصل إليه، ازداد يقينا بأنه" اللاشيء"
أو كصورة على صفحة ماء، حصاة واحدة تكفي لتشويهها !

خيرك، كالظل..لن يعتذر أحدٌ يوما، لأنه وطأه بقدم غاشمةٍ
ولن يشعر بالحرج إذا لم يشر له، أو يلقي السلام عليه
خيرك، هو ذاك الأسمر، الذي تنكره عنصرية الشر
لا يعيره اهتماما، سوى ربك
الله وحده من جعل لجانبيك كتابين لا يبغيان، وأمهل أحدهما حتى تئوب
الله وحده من يباهي بك الملائكة، ولن ينزلك يوما إلى درك الشياطين إن أخطأت
فسبحانك يا ربي..لا حق إلاك
وكل ما دونك باطل..

فمال هؤلاء البشر
يحصون علينا كل شيء
أنفاسنا، حركتنا،
يفندون نوايانا
يقلبونها ذات اليسار وذات اليسار !
أطّلعوا على الأفئدة، أم في قلوبهم زيغ


إن السيف، يؤذي..حتى لو لم يطعن، ولم يقطع
يكفي أن يتحرك من غمده
يكفي أن تشهره في وجه أحدهم، عدوانا وظلما
وكذا اللسان، هو لا يقطع رقبة، ولا يقلم إظفرا حتى !
لكنه يطعن القلب، ويصيب الحشى
وإن الكلمة لتهوي بأحدهم من سابع طمأنينة، إلى باطن الأرق
ربما لم نلقي لها بالا حين قولها
لكنها تترك أثرا، يفوق قذائف الهاون
لأن من الأنفس، أنفسا شفافة
لا تحتمل خدشا، أو لهبا
تذوب مثل شمعة تحت سلطان النار
ربما تضيء، لكنها تحترق !


..وكل من مر على هذا القلب
كتب اسمه بسكين ثلم، ومضى
هل كانوا يظنونه حجرا؟
لو صدق ظنهم
فما بقي للقادمين، إلا الحصى !

نعود إلى جدتي، التي تحسن الظن بي كنبي
كان بودي أن أقول لها، كم أنا سليط، ومغفل
أعبيء كلامي بالغضب، وأطلقه على من يطأ أرضي، ولو كان بلا قصد
لكني أعود..أخلع عني قرون التيس
وأبسط أرضي للرائح والغادي..
كان بودي أن أقول، ليس لك الحق أن تحسني الظن بي هكذا
لمجرد أنني أملك قلبا معطوبا، وعودا ناحلا ممصوصا مثل " عود القصب"، كما تقولين !
لا تجعلي ما بدى مني، يكفر ما بطن.. وكوني وسطا

أنا سأعيش ما دام الخير في، وأموت إن نضب
هكذا أدعو ربي، كلما يممت وجهي نحوه !
إني أعرف دائي، فالحزن هذبني ونفى خبثي
وجاء الدور كي تضمحل مادتي الأولية
بعدما انتهى كل شيء..
سوف أصلي يا جدتي، وأدعو ربي دعاء لا ينقطع
سوف أمازحهم إن بغوا علي
وأنا كما عهدتني، عنيد ورأسي صلب
لن أتناول"مخدراتهم" بعد الآن،
لأن بعض الأحزان لا يفلح معها" أومو، ولا رابسو"
ولا أي مسحوق هموم آخر !


جعلت لعراف اليمامة حكمه، وعراف نجد إن هما شفياني
قالا نعم نشفي من الداءِ كلهِ، وقاما مع العُوّادِ يبتدران
فما تركا من رقية يعلمانها، ولا شُربة إلا وقد سقياني
فقالا شفاكَ اللهُ واللهِ ما لَنا، بما ضمنت منك الضلوعُ يدان *

عروة بن حزام







الثلاثاء، 28 يوليو 2009

أحزان هذا المساء..


في ظهيرة غاوية
يأتي رجل طيب، يبيع غزل البنات،
أتدحرج في الطريق، مثل كرة صغيرة
وبيدي قطعة معدنية.
هكذا ببساطة كنت أشتري فرحة، في كيس ملون..


لكن الغريب، الغريب جدا
أن الرجل الطيب، غافلني في لمح البصر
ومضى،
دون أن يبيع لأحد سواي !


***

في حديقة الحيوان، كنت أطالع الأسد
أتفرسه !
لكني بكيت بشدة، وهربت
حينما رأيت غزالة،
ربما لأنه في قفص، وهي شاردة !

***

نعم..كانت تمسك بيدي، وكنت أخجل
لم أطالع وجهها يوما
أصدقكَ القول:
أنا لا أعرف لون عينيها إلى الآن !

***

لو كنا في قارب واحد
لكنت مجدافا يقود إلى ظل شجرة
لكنك،
آثرتِ الغرق !

***

لأنكِ لم تأتي
ما زلت أجلس معك في مقهى آندريا*
طول النهار،
وأكيل لك الشتائم آخر الليل !

***

ماذا أخذت من وجهك
لتديري لي ظهرك
يا هذه !

***

لأنك لم تتوسد حقيبتك يوما
لأن أصوات القطارات لم تؤرق نومك
لأن الشمس لم يوقظك لهيبها
لأن فيرونيكا لم تشفق عليك مثل رضيعها
ولأنك لا تملك"إله صغير" خلف صدرك،
لا يمكن أن تكون أنا !

***
كنت صغيرا، وكان الآراجوز يزورنا
في صوته بحة حزينة.
كانوا يضحكون،
ووحدي من بين الصبيان
كنت أخاف !

***

وهو يمضي،
ترك صفيرالقطار
في قلبي غصة
لم تذهب إلى الآن !

***

لماذا يبدو المهرِّج حزينا هكذا
وكيف يقفز لاعب الأكروبات
وهذه الصخرة جاثمة على قلبه
لماذا وسط كل هذه الألوان المبهجة
يغتالني حزن ما؟


--

آندريا: مقهى متواضع، أحب الجلوس فيه، يقولون أن -سيدة الشاشة- فاتن حمامة قد زارته يوما
ربما لهذا السبب، أحبه !

فيرونيكا: ملاكٌ/ سيدة ما !











الثلاثاء، 21 يوليو 2009

...،

...،








.
.
.



الأحد، 19 يوليو 2009

أشياء، فاتني الحديث عنها..


يُقتل دوماً

يخيل إلي أحياناً، أنني لو نظرت عبر فوهة بندقية
سوف أرى كل البشر الذين سيقتلون بها
كل الإصابات، والعيارات الطائشة
هذه واحدة من مواهبي العديدة،
لكن نسيت أن أخبركم، أنني لن أرى صورتي
رغم أنني سوف أقتل بنفس البندقية !



صفعة

أيها الأحمق لا تقل أنك كبرت، وفهمت الدنيا كما يجب
حتى الكبار الذين يحكون تجاربهم، يتحدثون عن الأشياء التي فاتتهم
وأدركوها بعد فوات الأوان، وإن بدوا سعداء وهم يروون بطولاتهم !
انتبه فقط للصفعة القادمة، ولا تحمل نفسك أكثر من صفعاتها


Try again

لابد أنك-كما أنا- تحلم، أن تبدأ حياة جديدة
مع بداية الأسبوع
غرة الشهر
أو العام الجديد،
لكن الفرص كلها مواتية للموت !

قانون

صدقوني ولو مرة واحدة،
لا تجدي مكابح الشوق
بعدما تدور عجلة النسيان !


تتمة

لابد أن هناك شخص ما
على الضفة الأخرى من الكون
يكتب أشياء رديئة،
في زمن رديء
في هذا، سلوى لي لو تعلمون !

الجمعة، 17 يوليو 2009

(عبير)

البنت عبير يا أمي.. تعرفينها؛ تقول للقمر قم وانا اجلس مكانك، لكنها مسكينة..الأسبوع الماضي جاء جدها وجدتها وقالوا للمعلم عبده، نريد ابنتنا، نريد لحمنا لكنه انشال وانهبد في الأرض وكان على وشك أن يضربهم( والله عال..جايين دلوقتي عايزين لحمكم، كنتم فين لما وجدناها ملفوفة في خرقة، ملقاة وسط الحقول والنمل ينهش في جسدها) ثم دخل المطبخ وجرى وراءهم بالسكين، لكن الناس توسطوا وارجعوهم مرة أخرى
جدتها يا أمي كانت تبكي وهي تقول للناس(حبة عيني، الفأس وقعت في الرأس ولم يكن بمقدورنا إلا أن نتخلص منها..لففتها في قطعة قماش، ورميتها بيدي هذه التي تستحق القطع، لكني ظللت أراقبها من بعيد عسى أن يتعثر بها أحدهم، حتى اطمئننت أنها عند هؤلاء الناس الطيبين..كنت أذهب إلى مدرستها وأراها من بعيد، حتى كبرت وأصبحت عروسا، ابنتي ماتت العام الماضي ولم يبق لنا من رائحتها إلا عبير، أشيروا علينا الله يستركم)
المعلم عبده بكى هو الآخر يا أمي، أول مرة نرى دموعه، كان يبكي وينهنه مثل الأطفال( عندكم البنت..اسألوها إذا كانت تريد العودة معكم)
ترددت عبير كثيرا قبل أن تخرج من غرفتها، ثم ارتمت في حضن المعلم عبده وزوجته وقالت(لا أعلم لي أهل إلا هؤلاء الناس..أنا لا أعرفكم) صح يا أمي من ربى خير ممن أنجب، والحق يقال أنهم لم يمنعوا عنها شيئا كبيرا كان أم صغيرا، رغم أنهم فقراء وعلى فيض الكريم.
القصد..، عبير يا أمي مثل الوردة، الشوك حولها كثير يمنع الأيادي أن تقطفها، عبير مثل الشمس يا أمي، لا تقوى الأعين أن تطيل النظر إليها
أنا لا أخفي عنك شيئا..نعم كنت أذهب إلى مدرستها، هي تدرس التجارة كما تعلمين، أتتبعها، أشاغلها في الغدو والرواح، يضيق صدري إن سخطت، وتضحك الدنيا إن رضيت، مع الوقت اعتادت على وجودي، وفي يوم تخفيت عنها كي لا تراني، وجدتها مرتبكة، تتلفت يا أمي، تبحث عني في كل مكان، حتى ظهرت لها، فشهقت كأنها رأت عفريتا، عدت في هذا اليوم هائما على وجهي، وقلت في الصباح أصارحها بما في قلبي.. الله يا أمي، لو رأيتِ وجهها الصبوح، وعينيها وهي تدور في خجل، ثم تنحني للأرض عندما أخبرتها، هادئة هي يا أمي، لا يُسمع لها صوتا، عليها هيبة الحزن، ووقار لا يوجد في أقرانها. قالت لي يا عوض لا يعجبني حالك، يجب أن تبحث عن عمل، وها أنذا أعمل الآن وتغيرت حياتي. بنت اللذين قالت يجب أن تتعلم أيضا، وتأخذ شهادة محو الأمية، فككت الخط على يديها، وتعلمت منها النقر على الآلة الكاتبة، والحمد لله ربنا أكرمني بها، لكنها تغيرت فجأة يا أمي بعد زيارة جدها وجدتها، خبى نورها، ليست عبير التي أعرفها، تتهرب مني، تتحاشى النظر إلي
ما الذي غيرك يا بنت الحلال؟
تبكي ولا ترد
متى أتقدم لخطبتك؟
يزداد بكاؤها
أخشى أن أخسرها يا أمي، خسارتها ليست سهلة علي، هل تحبيني يا أمي، ألا تحبين الخير لي؟
ألم تقولي يا عوض، أنت قلبك طيب، عندما يشر على بنت الحلال، لن أتأخر عنك؟
ها هو أبي في المندرة، وأعمامي حاضرون، أخبريهم نيابة عني، أنني أريد أن أتزوجها
ما بكِ يا أمي، تضعي يدك على فمك ولا تتكلمين؟

الأربعاء، 15 يوليو 2009

في مديح اللام




أن تكون لك(ل)
يعني أن تستيقظ في الصباح على صوتها
يعني أن تشرق الشمس، حينما تنفرج شفتاها وتقول: صباح الخير
يعني أن تصبح" صباح الخير" هذه أحلى صباح خير تسمعه
يعني أن ينبش صوتها في قلبك، مثل عصفور صغير.

أن تكون في حياتك(ل)
يعني أن تستيقظ بعدها، منتشياً
يعني أن تتوه منك فرشاة الأسنان، رغم أنها في يدك
يعني أن تنظر للمرآه، وتقول :
معقول هذا القمر يحبك، أيها الوغد؟
يعني أن تعود، وتنسى أن تغسل وجهك.

أن تكون في حياتك(ل)
يعني أن تذهب إلى عملك متأخرا
يعني أن يستقبلك المدير بغيظ شديد
يعني أن تبتسم أنت بحماقة بالغة في وجهه، لأنك تذكرتها-يالسخرية القدر- في هذه اللحظة بالذات !
يعني أن تكتب اسمها، بدلا من اسمك في "دفتر الحضور والانصراف"

أن تكون في حياتك(ل)
يعني أنك ستخفيها بين أهدابك و طيات قلبك
يعني أنك ستشعر أنك تستغفل خلق الله
يعني أنك الوحيد الذي تعلم هذا السر الخطير
يعني أن تعيش بين العطاشى والجياع، ممتلئا ريان
يعني أن تنظر لك أمك، وكأنها تدرك سر سعادتك
يعني أن تبتسم لها، وكأنك تقول: بلاش إحراج بقى !

أن تكون في حياتك(لام)
يعني أنك ستنسى كل حروف الأبجدية
يعني أنك ستصبح متسلطا
يعني أن تفرض رسوما وتحتكر هذا الحرف لنفسك
يعني أن تقول حينما تشعر بالنعاس: أنا عايز الام (انام)
يعني أن تصدع رؤوس العباد، لام لام لام
يعني أن تحب اللام، وسنين اللام، وأدب اللام، وجمال اللام
ورقصني يا جدع..


× لاموني الناس