الجمعة، 23 أبريل، 2010

الغُربال والعميانْ



لا أحد يختار مصيره، والذين يتفلسفون عن الإرادة وخيارات الإنسان، لم يجربوا كيف تنخسهم الحياة في ظهورهم وتدفعهم دفعا، والشاطر من ينجو من العثرات دون أن ينبطح على بطنه وظهره على حد سواء، لقد حفظت القرآن تحت لسوعة العصا، وكربجة الفلكة، ودخلت الأزهر لأن أبي أراد أن أصبح شيخا، والآن انظر ماذا ترى يا صاحبي..لن ترى سوى رجل تجاوز الثلاثين، فقد كم لا بأس به من الشعر الذي كان يغطي جبهته، ونحتت الأيام وجهه وخرطته بمخرطة الهم والفقر، نعم تزوجت وأنجبت ابني عابد الذي تعرفه، نسخة مني، ضحكتي، طريقة مشيتي، جلستي..لكن الذي يحز في نفسي يا صاحبي ويشق قلبي بسكين ثلم عندما يقلدني وأنا على المسرح..الولد المفعوص يعرف كيف امسك بالميكروفون بحرفية، رافعا نهايته كأنني أشرب منه..يقولون له قلد والدك: فيرقص مثل اللدعة، ويغني أغانيَّ التي أتفنن بها إخراج النقوط من جيوب المعازيم الكسالى:
(بلغ بيجن احتجاجي الرسمي...شعبي يقول عليا إيييييييييييييييييييييه)
 عارفين العريس يوم الدخلة بيقول لعروسته إييييييييه: عسليييه..ميه ميه. ميه. ميه..عسلييييه
عارفين أصحاب العريس بعد الزواج يقولوا له إيييييه: اتبحبح روح سينماااا..العب لك دور دوميناااا
تعرفوا العروسة بعد سنة تقوله إيه؟؟؟ فيضع يده خلف ظهره، ويتمشى وهو يقول: آه يانااااا...تعباااااانه
صدقني كنت أضحك معهم يا صاحبي، حتى تغرورق عيني بالدموع، ولا أعرف هل أنا فرحان أم حزين..أكثر ما أخشاه أن يتحول عابد إلى قرد شمبانزي يتشقلب في الأفراح ويشقى مثلي، ويذوق المُر الذي جرعته جرعا..

***

(بسم الآب والإبن والروح القدس..إله واحد..آمين
أنتم الذين باليسوع اعتمدتم، اليسوع قد لبستم ، هللويا)
كان يأتيني صوت الراهب متقطعا، مابين كل جملة وأختها يغمر رأسي في الماء، ممسكا برقبتي وكأنه يعرف أنني وددت الهرب من هذا المكان، وكأنه يعرف أن رائحة البخور تخنقني، وألوان الكنيسة الغريبة تزيد نفوري..لم ينقذني من شرودي وخوفي سوى الأب بيشوي الذي احتضنني ، ومد لي يده كي أقبلها !
"لا تقولوا لأحد يا أبي، فإن أباكم الذي في السماء"
تجاهلت ما دار في ذهني، عندما بادر بالقول: أبو عابد..اسم ظريف، سوف تحتفظ به حاليا إلى أن ندبر لك بطاقة تحقيق شخصية جديدة..
قلت لي إنت من وين يا ولدي؟
أأ..أنا من فرشوط يا ابونا !
***

ها أنا ذا أحمل صليبا على معصمي، وقلبا ميتا ورصيدا في البنك يكفي لسنوات قادمة
لكني مازلت في الدير. الرهبان هنا طيبون، يزرعون، ويحصدون، يصنعون الجبن، ويقطفون العسل..
يا كرولوس..كرولوس يا ولدي..كرولووووسسس !
مثل صينية البطاطس المحشوة بالجوافة..انتبهت لنفسي وأطفأت السيجارة في حائط الغرفة قبل أن ألقي بها من الشباك، وحينما قفزت..كنت الأسرع وصولا إلى الأرض
: يلعن تيييت ابو كرولوسس !

***
القاهرة- خريف 2009

جريدة الأهرام، خبر صغير منزوي في صفحة غير هامة:
أهالي بولاق ابو العلا يتسائلون عن مصير المواطن: همام سيد أحمد، الشهير بأبي عابد..متغيب عن أسرته منذ عام، على من يتعرف عليه الإتصال برقم........

اليوم السابع:
انتحار الممواطن همام، بعد عجزه عن سداد أقساط عش الزوجية، الشرطة لم تعثر على جثته إلى الآن، ومن المتوقع......

المصري اليوم:
مطالب شعبية بالإفراج عن المواطن.....، المحتجز في السجون الليبية، أثناء محاولته العبور إلى إيطاليا...

الشروق:
ثمة تكهنات تدور حول تحول المطرب والمهرج الشعبي......، إلى المسيحية
واشتباكات بين مواطنين مسلمين ومسيحين، بمنطقة......

جريدة القدس العربي:
في تصريح للبابا شنودة: من قال أن الكنيسة تمتلك هذه الأموال التي يتحدثون عنها، أقباط مصر مفيش أغلب منهم...!

قناة الجزيرة:
تقرير مصور، عن مستشفى قبطي، يقوم بعمليات زرع صليب، وعمليات تجميل لإخفاء ملامح المواطنين، مع تأكيد حسين عبد الغني أن الأمر قد تحول إلى ظاهرة تحت وطأة الفقر الذي يعاني منه المصريون..
***

المنصورة- ربيع عام 2015

قبل يومين وبعد صلاة الفجر، خرج منيب من المسجد، تداعب نسمات الصباح لحيته، تحفه السكينة ودعوات شيخه ، كان يشعر أنه مغيب تماما، وما هي إلا لحظات قليلة كان قد ولج إلى غرفته، و مر صوت دخول الويندوز الشهير عبر أذنيه، ليجد نفسه أمام أحد المواقع التي تتحدث عن النشاط التبشيري في مصر وكيفية مواجهته.شرع في تسجيل بعض النقاط الهامة، قبل أن يصدح مشغل الصوتيات بسورة الأنفال بصوت الشيخ ناصر القطامي، تلتها سورة مريم بصوت العجمي...حينها سرى الدفء في عظامه، واستسلم لسيد السلاطين: نوم عميق.

***

ليلة العملية

عندما تسير في شارع جيهان، عليك أولا أن تنتبه لنفسك وتضع عينك وسط رأسك، فسيارات الإسعاف والأجرة والتاكسي لن يرحموا القليل من غفلتك. لحظة واحدة قد تجد بوز إحدى السيارات يلامس نصفك الأسفل، يدفعك للأمام لو كان سائقها صبورا..وإن لم يكن..أنت تعلم !
 عليك أن تسير على الرصيف المجاور لصيدلية الطرشوبي، أو رصيف كشك الصحافة، ويجب أن تتجاهل وتنتبه لكافة محاولات الوصول إلى جيبك، سواء من اللصوص..أو الشحاذين الذين يتوسدون جانبي الرصيف، عليك أيضا ألا تلتفت لسيدة تحمل طفلا صغيرا وتدعي أن زوجها بمستشفى الطواريء، وحينما تخبرك والأسى يملىء قسمات وجهها الفلاحي أنها لا تجد المال كي تعود لقريتها لتخبر أهله، عليك أن تتجاهلها و تهرول بكل ما أوتيت من قوة من أمامها، لأنها قد تطلب منك مالا-سوف يبصق عليك الطفل الصغير إن لم تدفع- أو تقترض منك هاتفك لتجري مكالمة، حينها ستغوص في الزحام ولن تعثر لها على أثر، وعندما تتصل برقمك سوف تجد الهاتف مغلقا أو مشغولا بالفعل، وربما يرد عليك رجل أجش الصوت ويخبرك ألا تتصل على هذا الرقم ثانيا يا ابن تيييت !
 وإن كنت تحب النساء ولعب الشيطان برأسك، اعلم أنك قد تصبح من سكان المشرحة إذا أخذتها في سيارتك، فزوجها يتابع الموقف من بعيد..امض للأمام قليلا ستجد بعض الفتيات متفرقات تحت أعمدة الإنارة..التقط لك واحدة بسرعة قبل أن يلمحك ضابط مرور فيأخذ منك رسوما جبرية، اذهب إلى شقتك..واطمئن أنها لا تحمل مطواة قرن غزال قد تهددك بها في أي لحظة، سوف تحكي لك أنها بنت ناس ولو كنت شهما دعها تذهب دون أن تفعل معها شيئا، حينها ستحبك وتأتي لك بعد ذلك، دون أن تكون مضطرا للدفع. وإن كنت مثقفا مثلي عليك أن تنتظر أمام كشك الصحافة تتصفح بعض الكتب حتى ينتهي الزحام، وإن طال انتظارك ومل منك البائع اشتر أي صحيفة حكومية لو كنت متزوجا كي تستفيد من عدد صفحاتها في تلميع الزجاج، وإن لم تكن متزوجا اشتر مجلة العربي أو الدوحة أو كتابا رخيصا من توالف دار الهلال.. في هذه الليلة بالذات سوف تمرق سيارة فيات 128، صانعة الكثير من "الغرز" وسط السيارات الأخرى، هذه السيارة سيكون بداخلها بالطبع، شاب كان ملتحيا منذ ساعة فقط يدعى منيب، قد أطلق لحيته منذ عام وربما أكثر وواظب على حضور دروس العلم، وهجر أهله الأثرياء للغاية، وغير مهنته لأنها حرام..ثم عمل في أي مهنة تافهة أخرى..كأن يتاجر في عصافير الزينة أو بعض العطور المغشوشة للأسف، لكنه لا يدري..
لو كنت تحب التسكع. تتبع سيارته ربما تعرف بعد قليل ماذا سيحدث:
سوف يركن السيارة في مكان بعيد، ويتمشى قليلا حتى يصل إلى بوابة إحدى العمارات، سيتنحنح البواب، فيتسلل منيب بذعر إلى أن يصل إلى المصعد، ويضغط زر الدور العاشر، حينما يهم المصعد بإصدار صوت الموسيقى سوف يضع أصابعه في أذنيه، سينفتح الباب، فتواجهه لافتة نحاسية صغيرة مكتوب عليها بخط فارسي(الأنبا بيشوي سوريال)..يضغط منيب على الجرس ثلاث ضغطات رتيبة، فيطل من خلفه رجل دين مسيحي يرتدي زي المنزل..يبادره منيب بلكمة قوية تسيل بعض الدماء من أنفه وتجعله يتهاوى للوراء مسافة ليست بالقليلة، حينها سيجهز عليه، و يكتم أنفاسه بيد من حديد، وقبل أن يلفظ روحه، سيكمل مهمة إخراسه شريط لاصق على الفم،
بعد ذلك يأتي الحل النهائي الفريد: حقنة كالسيوم يزرعها في وريده، وينزع الشريط اللاصق من على فمه بقسوة مبالغ فيها، تخرج معها بعض شعيرات شاربه ولحيته، في ذلك الوقت سوف ينظر منيب في عيني ضحيته، وتزعجه لحية القس المهيبة التي تشبه في قسماتها وشكلها لحية شيخه، ثم ينصرف مسرعا بعد أن يأخذ بعض الأغراض والوثائق من الشقة، ويتخلص من بصماته على الخزينة والجرس وزر الدور العاشر...

أنت بالطبع لن تكون هنا في الصباح، عندما ينقل الجثمان إلى مستشفى الطواريء، ولن تشهد التواجد المسيحي المكثف في الشارع وأمام المستشفى لرجال ونساء متفحمات الشعر، كأنه شعر مستعار مصنوع من البلاستيك، ولن تشاهد تقرير الطب الشرعي الذي يقول أن الوفاة طبيعية، لأنه لن يلاحظ نسبة الكالسيوم التي تزيد في الجسد بصورة طبيعية بعد الموت، سوف يقفل المحضر في ساعته وتاريخه، وفي صدر الصفحة: وجد الأنبا بيشوي سوريال ملقى على وجهه في شقته بعد أن تعثر، والكثير من الاشياء التي لن يصدقها مسيحي واحد..حتى ولو حدثت بالفعل !

***

بعد شهرين من العملية

إذا تأخرت عن موعد الصلاة، أمامك خياران لا ثالث لهما، إما أن تذهب إلى مسجد الرحمة فستجد أنهم لم يقيموا الصلاة بعد، توضأ على مهل، وصل السنة، وانعم برائحة البخور أو صلها"تيك أواي" في مسجد الجمّال، ستلحق الركعة الأخيرة أو التشهد أو أي جماعة تالية. في الصف الأول بمسجد الجمّال سوف تجد بعض العجزة مازال فيهم بقية من رمق، من بينهم رجل نصب علي في أجر عشرة أيام-تجبنه تماما-، بجانبه سوف تجد منيب الذي ترك الصلاة بمسجد الرحمة مؤقتا، وقد اخضرت لحيته وهاشت من جديد. بعد الصلاة سوف يقوم رجل يكاد الدمع يتقاطر من عينيه منهمرا، يقول بالنص الواحد:
أنا أخوكم عبد الرحمن، كنت نصراني، ومن الله عليّ بنعمة الإسلام، هذه بطاقتي القديمة إن كنتم لا تصدقوني.أنا يا إخوتي كلي خجل منكم.أصعب حاجه في الدنيا إنك تمد إيدك لحد.بس أنا قلت انتم اخواني في الإسلام، إنما المؤمنون اخوة..زوجتي عليها لعنة الله رمتني في الشارع، وأخذت شقتي، الديون تراكمت علي، أقرب الأصدقاء رفع علي قضية مطالبا بماله لأني اسلمت وجهي لله..قولوا لي ماذا أفعل، ثم يجهش ببكاء شديد ويرفع يده للسماء: ساعدوني حتى أتخلص من هذا،
فيبرز صليب كبير على معصمه يفجع الجميع منظره، ويموج المسجد كخلية النخل، وسط بكاءه وجملته التي يعيدها أكثر من مرّة: ساعدوني حتى أتخلص من هذا..ثم يجلس في المحراب
سوف يمتليء حجره بالجنيهات والعشرات والعشرينات الخضراء والخمسينات الحمراء، ويتبرع الرجل الذي نصب عليّ أيضا، و تجتمع لجنة الذكاة، وتقرر أن تصرف له مبلغا طائلا يكفي لسداد ديونه وشراء شقة جديدة خلال أيام قلائل، لن يخرج منيب من المسجد إلا وبصحبته الوافد الجديد تحت إبطه.
في المساء سوف يعرفه على شيخه الذي يرحب به أيما ترحاب، ثم ينطلق جمع غفير من الشباب البشوش إلى طبيب ملتحي في عيادة خاصة، يساعدهم في التخلص من الصليب "بمياه النار". يتألم عبد الرحمن بشدة ، يبكي الشباب، ويشد الشيخ على يده، مبشرا إياه بالحصول على بطاقة هوية تحمل اسمه الجديد: اجمد يا أخ عبد الرحمن، باقي شوية ويتمحي اسم كرولوس دا من الوجود.اصبر واحتسب.

خلال سنة بالتمام والكمال، من الترحاب والإطمئنان على يده، يكون قد تعلم الصلاة، والفاتحة، ويؤذن للصلاة بصوت شدي رخيم، يُبكي الجميع. يصبح منيب صديقه المقرب، يبيت معه في شقته بعد أن هجر أهله تماما، يعملان معا ويحضران دروس العلم بهمة ونشاط. يخبره عبد الرحمن كم أنه سعيد ويعرف لماذا يعيش ولماذا خلقه الله..يشرق وجه صاحبه بابتسامة، لا يعكرها سوى حزن يظهر على وجه عبد الرحمن، يقول له أنه اشتاق لأولاده، ويخبره منيب أنه اشتاق لأهله أيضا..يدفعه عبد الرحمن لزيارة أهله، ولكي يطمئن قلبه..يقترح عليه أن يجمع أغراضه و يذهب معه كي يتعرف عليهم..
في شقة يبدو على أصحابها الثراء. يدخلان..غريب وبصحبته غريب، تبكي أم منيب بكاء مريرا وتحتضنه.يتماسك ويقول لها: أخي عبد الرحمن، كان نصراني وأسلم.. يبدو على وجهها الفرح، وتقول لابنها وهي تتأمل عيناه الذاهلتان: ما بك يا ولدي نحفان..بطنك أصبحت في ظهرك..وتعد لهما غداء شهيا..يتناولونه بحضور والد منيب الذي يشيح بوجهه كلما وقعت عينه في عين ابنه..يبيتان معا في غرفة منيب القديمة، التي لم يدخلها أحد في غيابه سوى لتنظيفها..يقول له عبد الرحمن بلهجة غريبة بعض الشيء: أنت مؤمن حقيقي يا منيب..زهدت في كل هذا-مشيرا إلى اللاب توب وحوض السمك الكبير وأثاث الغرفة الثمين- وتفرغت للعلم..ثم يقترض منه هاتفه، يخبره أنه يريد أن يحدث ابنه الأكبر..

بعد الفجر بقليل يستيقظ منيب، يتعجب كيف فاتته الصلاة، التي تعود أن يوقظه لها هاتفه، يفتش عن عبد الرحمن فلا يجده، يفتح الباب بهدوء، يدلف إلى الصالة الكبيرة فيجدها خاوية من بعض الأشياء، وفي المسجد يقابل أحد إخوانه الذي يسأله عن صاحبه، الذي لا يدري أين اختفى..يبدأ الخوف يتملكه حينما يخبره أنه أخذ هاتفه كي يطمئن على أهله، ينضم إليهما ثالث يبحث عن هاتفه الذي أخذه عبد الرحمن أيضا..يهرول منيب إلى بيته، فيجد أهله مستيقظون..الأم تشتكي من فقدان مجوهراتها الثمينة، وبعض الأدوات التي تختفي فجأة من المنزل..يحاول الإتصال بصديقه وهو يفتش في أغراضه التي تركها..عندها سيجد ثلاث بطاقات هوية
تكون بياناتها كالتالي:
كورولوس مينا حنا
عبد الرحمن مينا حنا
وبطاقة أخيرة مختلفة تماما تحمل اسما يبدو مألوفا بالنسبة له: همام سيد أحمد !
يلتقط الهاتف، فيأتيه هذا الصوت الممل كأنه يسمعه لأول مرة:
إن الهاتف الذي تحاول الإتصال به ربما يكون مغلقا(تيت.تيت..تيت)


(انتهت)

م. العرفي




0 comments: