للمداهنة ملة واحدة، وصنم واحد، وأتباع كثر..
يطوفون حوله ويدوخون ويقعون...ويدورون
إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

فمن ذاق طعم البطيخ وأدمن حبه وقشره، لن يعرف للعنب سبيل في يوم من الأيام
وعندما تجتمع الصحف القومية على مهاجمة قامة كبيرة مثل الدكتور البرادعي-غاندي مصر-، ولا تجد ما يؤخذ عليه سوى اتباع مذهب "حامض عنه يقول"
أو طائفة"حجة البليد مسح السبورة" فليس بمستغرب أن يقولوا أنه كان راسبا في دراسته، أو "بيتهته" أو حتى "دمه مش خفيف" !
أن يهاجم رجل بهذا الشكل، فهي رسالة غبية ومبطنة لنا كشعب أن هذا الرجل على حق، أو يحبس أيمن نور مثلا بعد اكتساحه للإنتخابات، ويقال عنه مزور، مجنون، يهذي فقد سبقهم بها الريس ابو جهل، وكما رمي سلى الجزور سابقا، ترمى "مية النار حاليا" بعدما اختلفت أدوات البلطجة من عصر إلى عصر .
كل هذا ليس بمستغرب على الإطلاق، فللإعلام والصحف توجهاتها وأخطائها ومذاهبها، واهو كله أكل عيش، لكن أن تنتاب حمى المداهنة وتفوح رائحتها من شيوخ وأئمة المساجد، فيصعد إمام وخطيب وشيخ أزهري فاضل/فاضح المنبر ويخطب في الناس وتذاع مداهنته في إذاعة تدخل كل بيت مصري كإذاعة القرآن الكريم، وفي خطبة جمعة ويقال: أن هذا الرجل دكتور في الذرة ! للسياسة أهلها، وليس له خبرة، فهذا استعباط أصلع له حواجب كثيفة، هل الشعب مغفل لهذا الحد بحيث تتصورون أنهم عامة، فتختلط عليهم الأمور ويصبح رجل القانون رجل ذرة لمجرد أنه كان يتصدر وكالة تحمل بين طياتها هذا المسمى؟ !
لعبد الرحمن الكواكبي كتاب رائع عن" طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد" وفيه باب كامل عن استخدام الدين كوسيلة من وسائل الإستبداد والتنويم والطمس، وشغل الناس بأنفسهم وذنوبهم عما يجري في حياتهم اليومية ومستقبلهم، لذا فهذا ليس بالشيء العجاب يا أزهرنا يا كريم يا وسطي يا معتدل !




الثلاثاء، 2 مارس 2010

لميس التي..

لميس التي حمدت الله أن جاء اسم حبيبها موافقا لاسم والدها
لميس التي تحنن عليها القدر لتكتب اسميهما على دفاترها آمنة مطمئنة حالمة
لميس التي لا تعرف متى بدأت تحبه، بل متى عرفته؟
لميس التي شغفها حبا
لميس التي خانها مع كل النساء، حتى ذابت ملامحها في ملامحهم
لميس التي بصق في وجهها، فأكرمته
لميس التي طعنها فرحمته
تشعل شمعة الآن، وتمسك بكتابه، تضمه إلى صدرها .

لميس التي كانت تتركه غاضبة، فتستدير بعد خطوات آيبة إليه
لميس التي صففت شعره باهتمام، وكان يتركها عجولا
لميس التي قبلت قدمه، وأصابعه ووجنته وذقنه
لميس التي تزوجت غيره
تبكي الآن بحرقة، ويبلل كتابه دموعها-الغالية-





الخميس، 26 نوفمبر 2009

مدري !

حقيقة..حلوة حقيقة دي؟
لم أتصور ولو فمتو سكند..أن تصبح المسافة بين العيدين مثل الشهيق والزفير..يبدو أنني لو تنفست بانتظام سيضيع نصف القرن القادم هباء،
ولم أتصور أيضا أن يأتي "البوست" التالي في عيد الأضحى، ولكنها الأيام بنت اللذين تفعل بالناس الأفاعيل، واالحقيقة أنني كنت مشغولا لدرجة لا تطاق ..ولكي لا يفهم أحد أنني رجل مهم- كلا وحاشا- فقد استثمرت الفترة الماضية في مفيش، وعملت ولا حاجه، لكني كنت مشغولا. في ايه؟ معرفش

النهارده يوم عرفه، بس ياريت لو كان في الصيف لي ذكريات كتير حلوة معاه، ذكريات تشبه التكبيرات والتلبية التي تهز القلب ، تشبه ظهيرة عودتي من المدرسة، وإلقاء الحقيبة في فناء المنزل، ذكريات تشبه ريحة اللحمة المنبعثة من البيوت، بس مش عارف هي بطلت يبقى لها ريحه ليه؟
كنت صغيرا حينها، ومش عارف الواحد عمال يكبر ويبقى بايخ ليه، الله يخرب بيت تفاحة آدم والدقن والشنب اللي بيعملوا في البني آدم كدا !
لكن في القلب بقية من نبض وفي الروح ثمالة من براءة، منظر الحجيج النهارده خلى الواحد بجد يتجنن، ويعيط ويبقى حالته حاله..لدرجة اني بفكر -لضيق ذات اليد- أن أتسول العام القادم حتى أتمكن من الحج
هنيئا لحجاج هذا العام وهنيئا لمن تمنى من قلبه أن يكون معهم

المهم.. شكرا لمن تذكرني هذا اليوم وسط الزحام
تكون محظوظا عندما يتذكرك أحدهم برسالة أو كلمة طيبة وسط مليارات البشر
والشكر موصول لأختي التي لم تلدها أمي، التي أنشأت لي هذه المدونة، ربما لخوفها أن أنقطع عن الكتابة..
كل سنة وانتم طيبين وعيد مبارك وبوتفليقه !

الأحد، 20 سبتمبر 2009

! كل عام، وأنتم

لمن قطف لي من عمره زهرة،
أو بستان
ولمن زرع في خصري مدية،
أو طعن بسكين نافذ،
ولمن طعن وأدار سكينه نصف دائرة،
ولمن تمتع بسادية وجعلها دورة كاملة
للأحبة،
لمن عملقوا هفواتي،
ولمن غفروا ذنوبي
للجميع
تحية طيبة وسلام
عيد فطر مبارك
وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال !

الاثنين، 31 أغسطس 2009

(الساحر)


(الساحر)

في أحد الصباحات الصيفية وجدت الرجال والنساء والأطفال في حارتنا يهرولون إلى ساحة كبيرة، هي تقاطع عدة شوارع وهم يهمسون في فرح طفولي ويتحدثون عن الساحر الذي يزور قريتنا مرة كل عام، أو ينقطع عدة أعوام ثم يعود مؤديا عروضه وحركاته التي تبهر الفلاحين السذج والموظفين الذين لا يصدقون ما يروه. وجدت نفسي أهرول مشدودا بخيط من التشويق إلى الساحة التي تحلق الناس بها. حلقة كبيرة متماسكة، أخترقتها بصعوبة ودسست رأسي بين الأرجل والأفخاذ والرؤوس الصغيرة التي أشم فيها رائحة العرق والذهول، كان رجلا طويل القامة يرتدي قميصا طويلا مشجرا مرخيا أكمامه حتى منتصف أصابعه، وفي يديه حلقات معدنية يضربها فتتشابك ويشدها أمام الناس ويعرضها لهم، ثم يضمها ويخرجها من بعضها. حلقة...اثنان... ثالثة..ورابعة، يتشابكون في لمح البصر ثم يفكهم بنفس المهارة، والناس يصفقون بشدة ويصفرون، ثم تمر ابنته الصغيرة وفي يدها طبلة مكسورة وعليها خيوط من الدوبارة، تستجدي الناس أن يدفعوا مقابل هذا الفن المتقن والسحر العظيم. لم تفلح في جمع شيء. الفلاحون بخلاء حذرون والموظفون حرصاء متوجسون، فتعود وتتكوم في جانب الحلقة. يؤدي "نمرة" أخرى يأمل من خلالها أن يهزوا جيوبهم، يرفع يده كمن ينوي الصلاة ويتكلم بصوت جهوري حاد ومكتوم ( جلا..جلا..إيدي فاضية) ثم يخرج قطعة نقود معدنية من بين أصابعه، يصفق الناس بشدة، فيخرج الثانية والثالثة والرابعة ، ثم يفرك أصابعه برشاقة وتتابع فتختفي القطع المعدنية، يدور على الناس مثل الملدوغ، يتخير من بين الوجوه وجها يعلوه شارب كثيف، يلتقط منه قطعة نقود معدنية، فيضحك الناس بشدة، وصوت قهقهاتهم يرعبني ويضيف إلى المشهد مزيداً من الخوف الذي تملكني والدهشة التي اقشعر لها بدني. تعود البنت الصغيرة مرة أخرى، تدور على نقاط الدائرة المتحلقة نقطة نقطة، عيونها كلها رجاء..ولا يدفع أحد، تقف أمامي طويلا، جميلة لكن وجهها يبدو مثل جدار متآكل و شعرها الأشقر الذي حرقته الشمس يجعلها مثل الجنية، أختبيء خلف أحد الأفخاذ المنتصبة أمامي، وأعاود النظر لأجد الساحر يجرها من شعرها وهو يقول بضيق(آخر ما عندي..هدوس على البنت دي، أقف على بطنها، مصارينها تطلع وتموت..أصحيها تاني!)

بدأ الناس يتذمرون وهو يخلع ملابس ابنته العلوية ويعريها تماما، رفعها لأعلى وهي ممدة على راحتيه ، دار بها على الجميع، ثم نامت على ظهرها مكشوف نصفها العلوي، بطنها تبدو خاوية، هابطة مثل حفرة صغيرة وعظام صدرها بارزة تنخس الضمائر.
(إيه رأيكم؟) يصفعهم بالسؤال، ويرعبني..
انصرف بعض الحضور، تقريبا معظم الرجال، وبقي الأطفال والنساء. داس بقدمه الغليظة على بطنها، تحسسها ببوز حذائه في البداية وهي لا تنطق ولا تلوي على شيء، ثم صعد فوق بطنها بكل وزنه، فبدت مثل قطعة الكاوتش المرنة ممطوطة تحت قدميه. صرخت النساء وبكى بعض الأطفال، وبقيت متسمرا في مكاني حتى بلت على نفسي وانسال خيط الماء إلى حذائي البلاستيك.
في لمح البصر ومثل الصاعقة هجمت عليه امرأة عجوز ونطحته في بطنه بقوة مثل ثور محترف، فوقع على مؤخرته وظهره، وتطايرت بعض النقود المعدنية من جيبه وكمه. نهرته بشدة واحتضنت البنت التي بدت مثل خرقة بالية. شرع في بكاء شديد وأخذ يغمغم بكلمات لم أفهم منها سوى:
يا ولاد الكلب !

______________


نشرت في مجلة العربي العدد 610 سبتمبر 2009
ضمن مشروع التعاون بين إذاعة الـ
BBC
ومجلة العربي

كتب عنها الأستاذ علي المقري- كاتب وناقد من اليمن-الساحرلـمحمد العرفي(مصر)
قصّة تستفيد من مشهدية الفلكلور الشعبي في تقديم الإدهاش عبر الفنون الآدائية الموصوفة بالسحر، فتظهرها كخلفية أو ديكور لرسم ملامح مجتمع يسعى إلى فرجة لم يعد بإمكانه دفع تكاليفها، وإن كانت ساحرة هذه الفرجة لا تثير ردود فعل المتفرجين إلا حين يشاء لها أن تفجر مكامن العنف في الأداء لعلها تتخذ شكلا مختلفا في العلاقة، يتم عبرها الأخذ والعطاء، مع أن ذلك لا ينجز، وهالة اللحظة هي التي تطغى مع صراخ لاعب السحر: يا أولاد الكلب
وهي عبارة شعبية تحيل كل ما هو مذموم للكلب

لمن يريد الإستماع إليها هنا، عبر إذاعة الـ
BBC


الخميس، 6 أغسطس 2009

ما تبقى من قلبي القديم..


وتقولُ: يا حبيبي
لا تنتظرني على الحافة
فإني أشتاقك !
-امرأة تتعلق برقبة رجل
ورجل يحتضن العالم بين يديه-

يحمر الجسر خجلا
تتدلى أعين الغرباء،
والدهشة المبتورة
تسحقها القبل .

( يصيح المنادي
الملك، ملكك يا فتى
والتاج، تاجك )

وتقول: يا حبيبي
تفضحني عيناي
يكبر الشوق فيهما، يوما بعد يوم .

ويمرقان من ثقب إبرة
يحيكان صوفا للشتاء، يبلى في الصيف
ويعود الثقب مرة أخرى
فيمرقان، والأمل ثالثهما..



( ويصيح المنادي
هجمت جحافل الفراق
توضئوا بدمي
تطهروا..تطهروا )

ويقول: يا حبيبتي
سيعود الثقب مرة أخرى
احذري الحفر، فوهات العدم .

وتقول: يا حبيبي
-ساعدي نحيل
قدمي ضعيفة-
لا تنتظرني بعد اليوم
فأنا، لست لك !

___








الأحد، 2 أغسطس 2009

...

إنك لا تعرف قيمة "الشيء"، حتى تفقده، لابد من غيمة تحجب صفحة القمر الناصعة لتغرق في بحر من الظلمات
حينها فقط، ستدرك أن للقمر وجها جميلا، يطالع الدنيا من الأعالي، ستعرف أنه بعيد، وقد كان ضوءه قريب منك، يغمرك قبل قليل.. إن هذه الغمية رسول، لا هم له سوى رسالة واحدة: أن تذكر يا هذا فضلا كنت تنكره ولا تشعر به


وأنا !
تضيق الأرض بما رحبت ومن رحبت، وهم هناك-تبا لكل إشارات البعيد-
تفصلنا المسافات، نعم
لكن تلتصق أرواحنا بهم، نكاد أن نقبل ظهر غيابهم، أو ننحني لنلتقط ذكرى خلفوها ورائهم

إن السهام البعيدة تصيب وتؤلم، لكن السهام القريبة من القلب. تقتل،
وتصيب هدفها مباشرة، حتى لو كانت سهاما عشوائية، ألقيت بلا احتراف أو تدقيق.

و من أقسى الأشياء، هو الشعور بالعجز، عجز أن تدرك غاية، أو تحقق هدفا،
لو كان الأمر يعنيك أنت وحدك، لهان كل شيء، فأنت أقدر على حمل مسؤلية نفسك، وإدراك أبعادها، وجَلدها
ولكن أن تعجز أن تمد يد العون لهم، أن تراهم من بعيد وهم يغرقون، هم يلوحون لك لا إراديا، لأنهم يحبونك
وأنت منتهى أملك، أن تموت، أن تتقطع إربا ولا تصيبهم شوكة واحدة،
ومع كل هذا..أنت غير قادر على فعل أي شيء..أي شيء
غير قادر على المواساة ، أو إخبارهم كم تحبهم، كم تقدس لحظات سعادتهم
أنت غير قادر على أكثر الأشياء بساطة؛ ولو تحطيم العبارات التقليدية على أعتاب أرقك
(ليته في ولا فيك)
(ما تشوف شر)
(رب يسلمك من كل سوء)
أنت غير قادرعلى أن تجس نبضهم، حرارتهم، أن تقبل جبينهم، تضمهم إليك، وترخي لهم جناح الذل من الرحمة
إني لأقدس أحبابي، للحد الذي يجعلني أتمنى أن أقبل أقدامهم، تراب الأرض الذي يمشون عليه، ولن يكفي !
وقد أسررت لأحد أصدقائي، ووصيته أن يطبع قبلة على جبين الهواء في بلادهم، وكان طيبا جدا، فوعدني أن يفعل !

الأكثر صعوبة، عندما تمتلك قلبا، يألم لكل الناس، خيارهم وشرارهم، يحنو على البعيد والقريب
"كأنهم في كل القلوب، فمن بكى بكيت له، والحر بالناسِ يُخدع"*
فكيف يكون مع من يقطنون به؟؟



فيا أيها القريب البعيد، يا من تملك قلبا..نحن أكثر حرصا منك عليه
وجسدا، من فرط اقترابنا منه، تتداعى له أعضائنا بالسهر والحمّى
رفقا بقلب أسخنته الجراح
وعبثت به السهام والندوب فأضحى كالغربال
رفقا، فما بقي شيء لم يكسر
رفقا بقلب، تهشم، فأصبح شظايا
رفقا بنفسك، نفسي، فأنا أنت لوتدرى !

لو كنتِ بعيدة، فأنت كالسماء
تلامس أرضي، عند الأفق
فكوني ابتداء الجمال، بلا نهاية..
كوني شمسا، وقمرا
كوني بحرا، وسماء، ونجوما، وسفنا
كوني مطرا، ورعدا، وغيوما
كوني حياة، ضحكة طفل، اشتباك أصابع
كوني صدقة سر، غوث ملهوف، طوق نجاة
كوني نيلا، وخيرا، فراتا، وعافية، جسراً، وأحبة
كوني بردا وسلاما
فإني أحترق، ولا عاصم لي اليوم سوى عافيتك
عودي "أيتها الشقية"، كي يخفق قلبي من جديد
تألقي، كي يعاود الدم مسيره في شراييني
ولو كنتُ جريحا !
سوف أمشي على أطراف ألمي، كي لا يزعجك الأنين . !


___

- حفظ الله لكم أحبتكم
* الرافعي: بتصرف